Archive for the ‘وقفات فنية وأدبية’ Category

عندما يبدأ الفيلم, فإن الجميع بلا إستثناء يبكي ويشهق بخوف, هناك أصوات رعد يتبعها ضوء يخطف الأبصار, الرعد يسبق البرق على عكس كل قوانين الطبيعة, تقترب الكاميرا التي تلتقط مشهداً في غابة مقفرة – لعلها غابات الفرلق- تلتقط ضمن وميض البرق فتاة ذراعها تلتف على طفل صغير, لا نعرف لا نحن ولا المخرج ما الذي كانت تفعله المراهقة وأخوها الطفل في الغابة في هذه الساعة المتأخرة من الليل, ولكن الطفل يبكي بقوة, بينما تظهر في عينا أخته المراهقة نظرة مرتعبة تجعلها أكثر وضوحاً أصوات الشهيق والزفير مع حركات منتظمة من قفصها الصدري, كذلك إلتفاتها الدائم إلى كل جهة, لا ندري لا نحن ولا المخرج السبب الحقيقي وراء هذا الخوف, بعد قليل تنتقل الكاميرا إلى جهة مختلفة فنلمح أربع أعين متوازية تلمع بلون غريب جداً, تصرخ الطفلة بهلع: القاتل المحترف ذو الأربع عيون, ثم تصرخ بالطفل: إركض, ويركضان كيفما إتفق, في هذه اللحظة تتبدى الأجسام التي تحمل العيون اللامعة سابقة الذكر, فيظهر جلياً أن العينان في الأسفل هما لعاشق متعب من حمل حبيبته تلك صاحبة العينان اللتان في الأعلى, لا نعلم أيضاً لا نحن ولا المخرج كيف وصل العاشقان إلى الغابة في منتصف الليل وفي خضم العاصفة, ولا نعلم شيئاً عن الواقع الاجتماعي للعاشقة وهل يسمح لها أهلها أن تخرج في منتصف الليل إلى الغابة مع حبيبها. ولكن العاشقان عندما يسمعان صوت المراهقة والطفل يركضان, يصرخان بفزع شديد ثم يهتف العاشق: القزمان أكلا الأمعاء, ويلقي بمحبوبته أرضاً ثم ينطلق بفزع في الغابة, والعبرة من هذا المشهد ألا وجود للقاتل المحترف ذو الأربع عيون ولا للقزمان أكلا الأمعاء.

وفي أثناء ركض المراهقة في الغابة تستحضر مشهداً لطفولتها, عندما خرجت من غرفتها في الليل لسبب غير معروف ” يعلو هنا صوت موسيقى مرعبة ” تجد الطفلة  والدها مستلقياً على الأرض وسحنته مختلفة عن العادة, فتصرخ الفتاة هلعاً, فيقترب الوالد منها ويشير بيده إلى دواء القلب المعروف ب ” حبة تحت اللسان”, تركض الفتاة إلى علبة الدواء تمسكها بيدها, يقترب الوالد المنهك, يزداد فزع الطفلة, تحاول الهرب وبيدها علبة الدواء, يصرخ الوالد أعطيني الدواء, يزداد فزع الطفلة فتقف أمامه وترفض إعطائه الدواء, يحاول الوالد أن يصل إلى طفلته, تعود الطفلة خطوتين إلى الوراء, يأتي صوت إنكسار لكمية هائلة من الزجاج, ” يعلو هنا صوت الموسيقى” تصرخ الطفلة بفزع ملتفتة إلى الوراء لتجد أنها قد إصطدمت بالطاولة وهي تعود إلى الوراء محاولة الهروب من والدها وأسقطت بعض الاواني الزجاجية فإنكسرت, تعاود النظر إلى والدها فيصرخ: أعطني الدواء أيتها الطفلة المشاغبة سأقطعك إرباً, تخاف الطفلة وتهرب, ويلمع البرق من جديد, يقع الوالد على الأرض ميتاً, تركض الطفلة بإتجاهه, تهزه بقوة أبي لا تمت يا أبي, تأتي الأم في هذه اللحظات فتجد إبنتها في هذه الحالة, تغمض لها عيناها, تعيدها إلى الوراء تقوم بالبصاق على زوجها, وتقول ها قد إنتهى الشرير مدمن ” حب تحت اللسان”, تصرخ الطفلة لا يا أمي المدمن ما زال حياً, والدي كان إنساناً طيباً, هنا تحاول الأم وطفلتها أن تعيدا الحياة للأب, يستيقظ الأب فجأة فتفزع الأم وإبنتها, تتناول الأم قطعة من زجاج الأواني المتكسرة, وتغرسها في رقبة الأب, يتحول الأب فوراً إلى مجموعة من الخفافيش ويطير,

تعود الصورة الآن إلى الطفلة في الغابة, هي تركض ممسكة بيد الطفل الصغير, هنا تلتفت الطفلة إلى الصغير, فترى عضلاته تكبر وثيابه تتمزق ويتحول عندما إنتصف القمر إلى مستذئب, تخاف الطفلة, تترك يد أخيها الصغيرة وتركض, تتعثر بحجرة على الأرض, تقع, تنظر إلى الخلف ترى الطفل الصغير يبكي بخوف هو الأخر, تعلم أن ما رأته من تحول الطفل إلى مستذئب ليس إلى أضغاث أحلام, تقرأ المعوذتين وتنام بسلام, عفواً لا تنام بسلام بل وفي لحظة إنتهائها من قراءة المعوذتين, يظهر شبح في الظلام بعينان لامعتان والدماء تلوث وجهه, وأنيابه أكبر من اللازم, تصرخ الطفلة بصوت عالي: مصاص الدماء أبو عبدو الكومجي, عندها يظهر الوجه أوضح تتضح معالمه ليس إلا العاشق الذي ألقى معشوقته هناك, والدماء على وجهه ليست إلا أحمر الشفاه الخاص بحبيبته فلسبب لا يعرفه الجمهور أو المخرج أو كل فريق العمل قرر العاشق بعد أن ألقى حبيبته بقوة من فزعه, وجاء جذع شجرة مدبب الأطراف في رقبتها وماتت, قرر أن يضع أحمر الشفاه الخاص بها على وجهه ليستحضر حبهما إلى الأبد, في هذه اللحظة يصرخ العاشق بقوة: ها, القزمان أكلا الأمعاء, أنتما السبب في مقتل حبيبتي, سأنتقم لها ” يلمع البرق” يركض بإتجاه الطفل وأخته, تخاف المراهقة بينما يغط أخاها في نوم عميق, في هذه الأثناء تظهر روعة السعدي الممثلة الشهيرة من خلف الأشجار, وتقوم بضرب العاشق على مؤخرة رأسه بخشبة قوية, يهتز جسد العاشق ويقع على الأرض, تضربه ممثلتنا الشهيرة ضربة أخرى وأخرى, وهي تصيح بهستيرية: هذه لأنك رفضت أن تشارك في المسلسل الذي كان سيهديني إياه والدي في عيد ميلادي الثاني والعشرين, وكان المسلسل ليكون من بطولتي أنا وأخي الصغير وإختي الصغيرة, وأختها وإبن عمي وإبنة عمتي وصديقي الحميم الجديد, وكل عائلة السعدي, وتضربه بغل وبحقد لم تشهد له البشرية مثيلاً على الإطلاق. وحالما يموت العاشق من شدة الضربات ” أو من شدة ثقل دم ممثلتنا الشهيرة” نرى صدره يرتفع إلى الأعلى ويشقه الصدر ضوء أبيض شديد الوميض, تخرج من روجه هياكل بشرية وأضواء, تلتف على بعضها في سهم ناري وتلتف كالإعصار صاعدة إلى السماء,

تمسخ الفنانة الشهيرة عرقها بيدها, وتلقي العصا من يدها, وتقول ها قد إنتهت إسطورة الممثل الشرير الرافض للأدوار.

تعود المراهقة وأخوها إلى المنزل, تستقبلها الام بحنية عالية, وخاصة بعد أن خسرت زوجها.

في الليل, يلمع البرق من جديد وتشتد العاصفة وتستيقظ المراهقة على صوت الرياح, تجد النافذة مفتوحة وصوت الهواء يصفر, تصرخ الفتاة بهلع, تركض إلى غرفة إمها تفتح الباب بسرعة وتركض فتفاجئ في سرير الوالدة بأربع أعين لامعة متوازية, تصرخ الطفلة من جديد: اااه, القاتل المحترف ذو الأربع عيون من جديد, وتركض إلى الخارج, بينما تختفي الأربع عيون ويحل محلها أربعة أفخاذ.

 

كنت في الأيام الماضية اعيد قراءة شيء من إرث الراحل العظيم سعد الله ونوس وقد ساورتني التأملات كثيرا مع مسرحية “الملك هو الملك “التي وصفها ونوس بأنها ” لعبة تشخيصية لتحليل بنية السلطة في أنظمة التنكر والملكية ” ويقصد بالتنكر في المسرحية واقع المجتمعات الطبقية . يقدم ونوس في تلك المسرحية تحليلا واعيا وعميقا لبنى السلطة في تلك المجتمعات مجتمعات البورجوازيات الصغيرة والمفاجئ أنه لم يقف عند التحليل والدراسة بل غاص إلى العمق ليستخرج بعلمية بارعة الحلول للواقع على عكس ما جرت عليه عادة مثقفي ” قل كلمتك وامش ”
وحتى في تحليلاته فقد كان سعد الله ونوس شاملا منظما فأتت تحليلاته علمية للغاية بعيدة عن اي عبثية فارغة
يحادثنا النص عن ملك لأحد البورجوازيات الطبقية قدساوره الملل وكان يظن بأنه الملك بشخصه فناول رداء الملكية لأحد أبناء الرعية-أبو عزة0وهو من كانت تساوره أحلام الملك
في تلك اللحظة يقدم لنا سعد الله ونوس تحليلا هاما او قاعدة كما أطلق عليها أنه الملك في دول الطبقية ليس ذاتاً بل هو تجريد بحت فمن يرتدي زي الملك يصبح ملكاً وعلى هذا جرت الأمور فأبو عزة الأن ه الملك الجديد وقد إندمج أبو عزة ملكان الجديد بالدور -أليس الملك تجريد طبقي بحت وأبو عزة ينتمي إليه
تظهر الطبقة الواعية الثورية في النص بشخص عابد وزاهد اللذان يتنكرا هما أيضا خوفا من بطش السلطة الحاكمة

والحل الذي يقدمه ونوس لتحسين الواقع الإجتماعي ليس بتقديم الرداء-رداء الملكية- لصاحب النوايا الحسنة, بل بزلزلة البنيان من جذوره عبر السعي لإنهاء التنكر وإزالة الملكية فعابد يجيب عندما يسأل عن طريقة لإنهاء الأزمة بأن “جماعة ضاق سوادها بالظلم فذبحت ملكها واكلته ولم يبق تنكر ولا متنكرون
من اعمق تحليلات ونوس السياسية تلك الجملة التي تظهر وعيا سياسيا لنظرائه قلة لدى راحلنا فيصور حوارا بين عبيد و زاهد فزاهد يرى ان البؤس وصل حدا لا يطاق والواجب الان هو عملية ضخمة تطيح بالملكية فيجيب عبيد : التناقضات في المجتمع لم تنضج بعد التناقضات تنمو وحركتنا ينبغي أن تتواقت مع اللحظة الزمنية لا نسبق ولا نتأخر
في الختام أمام جمهرة من المثقفين ومن يعتبر نفسه أرفع منزلة من السياسة و “دنسها ” لا أملك إلا أن أقول لراحلنا : سيدي , قدرنا أننا محكومون بالامل