الجريمة الأولى في ضوء المادية التاريخية

Posted: 26/09/2010 in أفكار بالأحمر

الجريمة الأولى ..والمادية التاريخية:

 سأتطرق في مايلي إلى الجريمة الموثقة الأولى في التاريخ , والتي وثقتها الخافية الجماعية في النص الديني الخازن الأساسي لمجمل الأحداث التاريخية التي مرت بها الجامعة البشرية في مرحلة معينة . أقصد بهذه الجريمة مقتل هابيل على يد أخيه قابيل وهي الجريمة الاولى توثيقاً في التاريخ الإنساني. يروي لنا النص الديني أن الخلاف بين الأخوين تطور بعد أن طلب من كل منها تقديم قربان للإله من منتجاته الخاصة , فبينما كان هابيل مزارعاً يحترف تلك المهنة الناشئة والمرتبطة بأول ظهور للملكية الخاصة لوسائل الإنتاج ” الأرض ” , كان قابيل ما زال مصراً على إحتراف الصيد تلك المهنة المرتبطة بالتشكيلة المشاعية الأولى تاريخياً. قدم كل من الأخوين قربانه الخاص , فقبل القربان الزراعي لهابيل بينما رفض قربان قابيل الحيواني . فأقدم قابيل على قتل أخاه مغتاظاً. هذا هو ملخص الحادثة كما يقدمها لنا النص الديني , ما أحاول إضافته هو قراءة خاصة لهذه الرواية معتمداً على المادية التاريخية المنهج الذي أطره ماركس وقدمه لنا فسأضع هذه الرواية في مختبر بحثي وأدواتي هي أدوات تحليل العلم الماركسي . تزودنا الماركسية بمعلومات عن أن الإنقسام الطبقي ” والصراع الطبقي تبعاً لذلك ” قد بدأ مع أول تقسيم للعمل ما بين الزراعة وإرتباطها بالملكية الخاصة لوسائل الإنتاج وبين الصيد المرتبط عضوياً بالمشاعة . وتمدنا الماركسية بقوانين تعرض لنا أن الإنتقال بين تشكيلة إجتماعية وأخرى ” المشاعة المعتمدة على الصيد والملكية الخاصة الأولى لوسائل الإنتاج المعتمدة على الزراعة في حادثتنا هذه ” تحدثنا الماركسية بأن هذا الإنتقال لن يكون إنتقالاً سلمياً غالباً لإنه صراع بقاء بين طرفين تشكيلة حديثة تحاول سحب البساط نحوها . وأخرى قديمة تحاول البقاء بما تمثله من منظومة حياة في موقع السيادة وهذا ما حصل في ثورة باريس الصناعية مثلاً فهي تجسد صراع فئة من الصناع الصغار الجدد ” بعد إختراع الآلة ” وبين طبقة النبلاء الزراعيين القدامى وكان الإنتصار للمنظومة الجديدة الصناعية ” الثورة الصناعية ” في الحادثة التي نضعها اليوم في المشرح نرى أن قابيل يمثل رغبة الفئات القديمة بالبقاء في موقع المهيمن . بينما يمثل المزارع هابيل طموح طبقة الزراعيين الناشئة حديثاً. وتعلمنا الماركسية بأن شكل الإنتاج في مجتمع عندما يضيق عن إستيعاب مضمون التناقضات الذاتية العاملة في داخله فإن نظاماً جديداً يتطور في رحم النظام القديم ممزقاً الشكل القديم للإنتاج . وهنا فإن الخلاف بين هابيل وقابيل يصبح مرتبطاً بحالة علمية تاريخية تربط الأشياء بعضها ببعض مستخلصة منها النتائج والقوانين التي تفعل فعلها في المجتمع والطبيعة . لربما يغوص هذا البحث في تحليلات وتأويلات لم يصرح بها علانية في النص الديني رغم احتفاظه – بالسياق العام للرواية الدينية – وهذا طبيعي فيما أرى فإن كم المعرفة العلمية والنظرية قد تطورت جدا عما كانت عليه في ذلك المجتمع البدائي فلم تستطع الذاكرة البشرية حينها الغوص في تأويلات لتلك الحادثة وتقديم تحليل علمي لها , على عكس الحالة الراهنة في ضوء التغيرات العلمية ووصول العلم لمنهجية بحث قادرة على تفسير ما لم يفسر حتى الآن في ضوء قراءة أساسها المادية التاريخية والمادية الجدلية. وهذا ما حاولت البدء به في ورقتي هذه .

Advertisements
تعليقات
  1. نغم عرنوق كتب:

    أعتقد أن هذه القراءة للقصّة الدينية التوراتية عن الأخوين (المزارع والراعي) قد تختلف جذرياً حين يقودنا اطلاعنا في الميثولوجيا إلى نصوص أخرى سبقت هذه الرواية (الدينية) للقصّة.
    في التراث الميثولوجي الكنعاني والبابلي والسومري أكثر من رواية عن هذين الأخوين المتنافسين.
    فقد وردت القصة بأسماء: إيميش وآنتين، لهار وأشنان، إنكمدو ودوموزي. وكان فحوى النص منافسة بين المزارع والراعي، إمّا بتقديم أضحية للآلهة، أو بالتقدّم لخطبة فتاة.
    وفي كل الروايات السابق ذكرها كان الفوز للمزارع وليس للراعي، ولم تنته هذه القصص بجريمة قتل.. بل بسجود الأخوين أمام الآلهة والإقرار لها بما اختارت، أو القبول باختيار الفتاة للعريس المتقدّم لخطبتها.
    أمّا إذا أتينا لتحليل هذه النصوص على ضوء الوضع الاقتصادي الاجتماعي في تلك الفترة فنجد أنّ هذه المجتمعات كانت في بداية تحضّرها (بالمعنى الحرفي) أي الثبات في الأرض وإقامة المجتمعات المدنية الزراعية الحضرية، بعد حقبة الرعي والتنقّل القائمة على البداوة. ونرى أنّ النتيجة طبيعية بتقديم وتفضيل الزراعة والتدجين على الرعي أو الصيد، كمرحلة متطوّرة اقتصادياً واجتماعياً عن تلك التي سبقت.
    أمّا لماذا تحوّلت الرواية في التوراة إلى النتيجة المعاكسة وانتهت بجريمة قتل؟ فذلك موضوع آخر، ولا بدّ لنا من الوقوف عنده.
    أيضاً لا بدّ لنا من أخذ النص التوراتي في سياقه التاريخي ولنتذكّر أن التوراة كتبت في زمن السبي وبعد اطلاع اليهود على حضارة بابل وآشور وثقافة هذه المنطقة التي كانت قد وصلت إلى مراحل متقدّمة مقارنة مع الموجة اليهودية التي كانت ما تزال تحتفظ بالكثير من ثقافتها البدوية القائمة على الرعي، وليس لنا أن ننفي الشعور بالاضطهاد الذي عانى منه اليهود نتيجة لسبيهم على يد نبوخذ نصّر.
    فكانت رمزية القصّة بالنسبة إليهم كالتالي:
    اليهود شعب بداوة ورعي، والبابليون شعب زراعي حضري (بمعنى الثبات في الأرض وبناء حضارة)، واليهود يرون أنّهم المفضّلون عند إلههم الذي قبل أضحية الراعي وفضّله على المزارع، وهذا ما أثار حنق المزارع فأقدم على قتل (أو سبي) أخيه الراعي. وبهذا أوجدوا الذريعة للانتقام، ولأخذ الثأر من الشعوب الزراعية.
    تذكّرنا هذه الرواية التوراتية المحرّفة لنصوص ميثولوجية قديمة، إلى قصص أخرى من الميثولوجيا الرافدية، لعلّ أبرزها قصّة أوتنابشتيم الذي بنى سفينة حمل عليها زوجاً من كل أنواع الحيوانات والنبات إبّان الطوفان العظيم وورد ذكره في ملحمة جلجامش بأكثر من نسخة منها. والذي تحوّل في النص التوراتي إلى شخص نوح.
    غير أنّ هذه القصّة أيضاً قد تحوّلت في التوراة وأصبحت نهايتها تحمل دعوة لنصرة نسل سام على نسل حام، وفي العودة باختصار إلى القسم الأخير من الحكاية التوراتية لنوح وأبنائه نجد الأحداث تجري وفق ما يلي:
    ذات يوم سَكِر نوح وتعرّى ونام على سريره في غرفته، ودخل ابنه حام ورأى عورة أبيه، وأخبر أخويه اللذين دخلا على أبيهما وهما يسيران إلى الخلف حاملين قطعة قماش غطّيا بها عورة أبيهما دون أن ينظرا، وحين استفاق نوح من سكرته وعلم بما جرى، دعا ابنه حام ولعنه (رغم أنّ الخطأ خطأه هو) بل ولعن نسل حام وتحديداً ولده كنعان الذي لم يولد بعد.
    أمّا لماذا حصل هذا التحوير، فالسبب واضح، إنّه أيديولوجي بامتياز، يرفع من قيمة اليهود الذين يعتبرون أنفسهم من نسل سام، بمقابل الكنعانيين أولاد كنعان وأحفاد حام، في زمن كانت العداوة والحروب في أوجها بين اليهود والكنعانيين.
    مع العلم أنّ النظرية السامية العلمية القائمة على تطوّر اللغات القديمة وتفرّعها – وهي لا تمت بصلة إلى النظرية التوراتية – تقول أن الشعب الكنعاني من الشعوب السامية وليس الحامية، نسبة إلى اللغات السامية التي من المرجّح أنها اشتقت اسمها من اسم المنطقة (بلاد الشام) وليس من سام ابن نوح.
    لست في هذه العجالة بصدد حكم أخلاقي أو قِيَمي لليهود ورواياتهم التوراتية، إذ حينها لا بد من السؤال حول الحكم الأخلاقي لقيام نبوخذ نصّر بسبي اليهود، الذي قد يكون السبب وراء إحساسهم بالاضطهاد.
    لكن لا بدّ من توضيح الظرف الاجتماعي الاقتصادي السياسي لقصّة المنافسة بين المزارع والراعي في أصولها التاريخية، وقراءتها، هي أولاً، ومن ثم نسختها التوراتية المحرّفة على ضوء ما كان يدور في هذه المنطقة.

  2. نغم قرأت بتمعن ما كتبت …وللحقيقة مبارك على الجهد المعرفي بالميثولوجيا الذي قدمته …وهو يقع في صميم ما أتحدث عنه
    أولاً أنا أكاد أجزم أن أي نص ميثولوجي لم يصل إلى ما وصل إليه إلا بناء على ظرفين :
    الأول مستمد من تجربة النصوص الميثولوجية الأقدم وخصوصاً تلك التي تقع في المحيط الجغرافي وعلى هذا فأعتقد بأن هناك نصاً ميثولوجياً يسبق التوراة مهد الطريق لتحول المجرم من المزارع إلى الراعي وعلى كل فكلا النصين يحولاننا إلى الظرف الثاني .
    الثاني من صلب الواقع الإجتماعي ففي المجتمعات التي إستطاعت فيها الفئات الناشئة حديثاً ” المزارعين ” من التخلص من البنية القديمة ” الصيد والرعي ” فإن النص الميثولوجي يمجد هذا الإنتصار ويوثق له بأن يورد قتل المزارع للراعي . كما يوثق النص الميثولوجي السومري لقتل تعامات على يد الإله مردوخ الذي أراد الحياة وتحطيم الخواء الذي فرضته النخبة الحاكمة القديمة الألهة الثلاث الأولى ممن رفضت ” التغيير”
    على هذا فإن كل ما سلف يحيلنا إلى القوانين الماركسية عن تناسب البنية التحتية ” الواقع الإقتصادي ” على البنية الفوقية ” والنص الميثولوجي تاريخياً أهم مكونات هذه البنية ”
    تحياتي نغم وشكراً لمرورك وأتمنى تكرره لأنك ممن يشكلون الفارق بما تمتلكه من كم معرفي يحق لنا النقاش حوله .
    تحياتي

  3. يوسف جمال كتب:

    تحليل جيد ….وإن أردت الإستمرار في ورقات بحث كهذه فعليك بالكثير من الجهد

  4. yazbek كتب:

    موضوع جميل مع اختلاف وجهات النظر حيال هذه المقلات
    قلتلك عليا خيي

    بس فكرتو لازم تقولا عا كل حال

  5. @ يوسف شكراً صديقي …وللحقيقة فإن أوراقاً بحثية كهذه تحتاج إلى الكثير من الجهد …ولكن علينا أن نخوض البحث فيها

    @ يزبك …تسلم عبود الغالي وطبعاً الإختلاف بوجهات النظر حق مشروع بالعكس شي كتير صحيح

    شكراً شبيبة

  6. نغم عرنوق كتب:

    كل فكرة تملك بعضاً من الحقيقة
    تفقد مصداقيتها بمجرّد ادّعائها بأنّها تملك كلّ الحقيقة

  7. نغم عرنوق كتب:

    عزيزي محمّد
    قلت في معرض ردّك ما يلي: [وعلى هذا فأعتقد بأن هناك نصاً ميثولوجياً يسبق التوراة مهد الطريق لتحول المجرم من المزارع إلى الراعي] ثمّ [ففي المجتمعات…. فإن النص الميثولوجي يمجد هذا الإنتصار ويوثق له بأن يورد قتل المزارع للراعي].
    لكن في النصوص الميثولوجية لم يكن هناك مجرم أصلاً.. وقد أوضحت بأن نهاية المنافسة بين المزارع والراعي كانت بقبول الاثنين لحكم الآلهة، لماذا تصر على أنّ هناك قتل في هذه القصة؟
    القتل كان فقط في الرواية التوراتية.
    أما بالنسبة للجريمة الأولى (إنّ صحّت تسميتها جريمة) فهي قتل مردوك لتعامة وهي ذات أسباب مختلفة وحسب قولك أنت [قتل تعامات على يد الإله مردوخ الذي أراد الحياة وتحطيم الخواء الذي فرضته النخبة الحاكمة القديمة الألهة الثلاث الأولى ممن رفضت التغيير] لكن حتّى هنا لا أرى تناسب بنية تحتية (على) بنية فوقية.. حسب قولك.

  8. أهلا عزيزي نغم ..مستمع جداً بتواجدك الشيق في هذه المدونة ولو أني أعرف أن للبحث الميثولوجي أن يثير إهتمامك لكنت تناولته سابقاً ..لإنني أجزم بان النقاش بيننا لطالما كان مختلفاً
    عزيزي نغم ..
    إن ما يهم القارئ ” كما أعتقد ” بعد غوصه في تفاصيل ما كتبت ليس الجريمة بحد ذاتها ” رغم أن أساس النص الديني اليوم يقوم على هذه التفصيلة تحديداً ” ولكن أعتقد أن الأهم هنا هو الخلاف الحاد ما بين الصياد ” الراعي ” وبين المزارع …
    ولك الحرية في ألا ترى أن الحادثة قد تحمل على محمل التوازن بين البنية الفوقية والبنية التحتية ولكنني أراها كذلك ..
    وأؤمن تماماً بأن الإختلاف الفكري طبيعي تماماً وعندما نتحدث عن رؤية تعتمد تماماً على المادية التاريخية فليس القصد أن يتم تبني هذا الطرح بل وكما هو واضح تماماً هو طرح يحق للجميع الأخذ به أو منه أو رفضه التام .
    أما بخصوص الأفكار التي تدعي امتلاكها الحقيقة المطلقة فأوافقك الرأي لأنه ما من حقيقة مطلقة ولا من مطلقات إطلاقاً …ولا حتى سام وحام ..
    تحياتي الحارة

  9. dndoshe كتب:

    akhe naghm b3d alslam bdk 20 sne ltwssl lfkr abo 7ajr falafdl tlthe brbtt sh3rk are7lk wkfak mona2sha m3 abo 7ajr ma betl3lkk

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s